السيد عباس علي الموسوي
79
شرح نهج البلاغة
تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم ، ولم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ، ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم ، ولم تختلف في مقاوم الطّاعة مناكبهم ، ولم يثنوا إلى راحة التّقصير في أمره رقابهم ، ولا تعدو على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات ، ولا تنتضل في همههم خدائع الشّهوات . قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويممّوه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ، لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته ، إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ، لم تنقطع أسباب الشّفقة منهم ، فينوا في جدّهم ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعي على اجتهادهم . لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرّجاء منهم شفقات وجلهم ، ولم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشّيطان عليهم . ولم يفرّقهم سوء التّقاطع ، ولا تولّاهم غلّ التّحاسد ، ولا تشعّبتهم مصارف الرّيب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ، فهم أسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ ولا عدول ولا ونى ولا فتور ، وليس في أطباق السّماء موضع إهاب إلّا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ، يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما ، وتزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما .